محمد رأفت سعيد

280

تاريخ نزول القرآن الكريم

ولو كان فرعون على بصيرة لأذعن من رؤيته لموقف سحرته ، وأن ما جاء به موسى ليس من قبيل سحرهم ، ولكنه لم يفد من هذا ، وادعى لنفسه السلطة على عقول الناس وقلوبهم فلا ينبغي أن يرى أحد إلا ما يراه فرعون ، قال جل شأنه : قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 ) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) . ثم تذكر الآيات تسلط فرعون على قومه في عقولهم وقلوبهم ، وموقف السحرة بعد إيمانهم بآيات ربهم ، واستعلائهم على عذاب فرعون وطلبهم من ربهم رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك إغراء الملأ من قوم فرعون له بموسى ومن آمن معه لإيقاع المزيد من الأذى بهم ، واستجابة فرعون لهذا ، وموقفه من ضعاف القوم من الأبناء والنساء ويأمر موسى قومه بالاستعانة بالله والصبر والأمل في العاقبة الطيبة . وتصريح قوم موسى بوقوع الأذى بهم من قبل أن يأتيهم ومن بعد إيمانهم به وتعقيب موسى عليه السّلام بالرجاء في استخلافهم في الأرض ، وإهلاك عدوّهم فما ذا سيعمل هؤلاء بعد هذه المنّة . وأما آل فرعون فقد أخذهم الله بالقحط فلم يتعظوا ، وإذا جاءهم الخصب والغنى لم يشكروا ، وإذا جاءهم الجدب تشاءموا بموسى ومن آمن معه ، وكان بعد ذلك إصرارهم على الكفر ، وأنهم مهما جاءهم موسى بآية فلن يؤمنوا فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، وكان منهم الاستكبار والإجرام ، فلما وقع عليهم العذاب بالإضافة إلى ما سبق من الآيات ، وقيل في العذاب : إنه الطاعون طلبوا من موسى أن يدعو ربّه إن كشف عنهم العذاب أن يؤمنوا فلما كشف عنهم العذاب إلى أجل نقضوا عهدهم ، وأصروا على كفرهم ، فأغرقهم الله في البحر بتكذيبهم ، وأورث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها . وفي هذا العرض لما حدث لموسى وقومه وفرعون وقومه بيان للناس ؛ حتى يفيدوا من تجارب السابقين وفي الوقت نفسه بيان لطبيعة بني إسرائيل ليتهيأ المؤمنون في معاملتهم بعد تأسيس الدولة بالمدينة المنورة فسيجدون اليهود - هناك - قال تعالى : وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ( 127 ) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا